ابن البيطار

366

الجامع لمفردات الأدوية والأغذية

منكرا أن يكون اللبن بعد أن تفنى مائيته يصب عليه ماء آخر وذلك أن الأطباء لم يهربوا في فعلهم هذا من رطوبة ماء اللبن إنما هربوا من حدتها التي تطلق بها البطن لأن كل لبن مركب من جواهر مختلفة ومتضادة أي ماء اللبن وجبنه ، وفي اللبن مع هذين جوهر آخر ثالث وهو الذي قلت أنه كثير في ألبان البقر ، وأما لبن الضأن والمعز فلهما أيضا شيء من الدسم إلا أن ذلك فيهما أقل منه في لبن البقر ، وأما لبن الأتن فالدسم فيه قليل جدا ولذلك صار لا يتجبن في المعدة إلا في الندرة بأن يشرب ساعة يحلب فإن خلط معه ملح وعسل لم يمكن أن ينعقد في المعدة ويتجبن وبسبب رطوبته صار يطلق البطن أكثر من قبل مائه وما فيه من الجبن فقوّته قوّة تحبس البطن وتعقله وبحسب ما عليه ماء اللبن من الصفة في توليد الدم الجيد إذا قيس إلى الجوهر الآخر الجيد الذي فيه كان يفوق جميع الأشياء المطلقة للبطن وأحسب أن بهذا السبب كانت القدماء تستعمل شرب ماء اللبن في موضع الحاجة إلى إطلاق البطن ، وينبغي أن يخلط معه من العسل مقدار ما يعذب طعمه ويستلذه الشارب له من غير أن يغثي ، وعلى هذا القياس ينبغي أن يكون ما يخلط معه من الملح ما لا يؤذي حاسة الذوق وإن أردت إطلاق البطن كثيرا فأكثر الملح قال : واللبن الجيد أجود الأغذية كلها توليدا للدم المحمود ، وينبغي أن لا يفوتك الاستثناء والشرط الذي قدمت في قولي فإني لم أقل مطلقا أن كل لبن فهو أجود من جميع الأطعمة توليدا للدم المحمود لكن استثنيت فقلت : اللبن الجيد وذلك لأن اللبن الرديء الذي قد خالطه خلط رديء لا يبلغ من بعده أن يولد دما محمودا لأنه إذا استعمله من أخلاط بدنه أخلاط محمودة أفسد أخلاطه وولد فيها دما رديئا وإني لأعرف طفلا توفيت أمه فأرضعته امرأة رديئة الأخلاط فامتلأ بدنه قروحا كثيرة وكانت تغتذي في الربيع بالبقول الدستية لسبب مجاعة أصابت أهل بلدها فامتلأ بدنها قروحا بهذا السبب كمثل القروح التي امتلأ منها بدن الطفل ، وكذلك أصاب قوما أخر ممن كان مقيما في تلك البلاد يغتذي بغذاء شبيه بهذا ، ورأيت ذلك عرض لنسوة كثيرة ممن كان في ذلك الوقت يرضع وكذا أصاب من اغتذى بمثلها ، ولو أن عنزا أو حيوانا آخر اغتذى نبات السقمونيا أو اليتوع وتناول إنسان من لبنه ليغتذي به لكان بطنه على كل حال مستطلقا ، وإذا كان كذلك فينبغي أن تفهم عني جميع ما أصفه لك فإني لست أقول ذلك في اللبن كله مطلقا أي لبن كان إنما أقوله في اللبن الجيد منه في غاية الجودة الفائق في كل واحد من أجناس الحيوان وأما اللبن الذي هو دون الجيد الفائق في كل واحد من سائر الحيوانات فمقصر عما يحتاج إليه منه في نفع المغتذي به بحسب ذلك لأن اللبن الذي يكون كثير الماء فاستعماله وإن دام واتصل أقل خطرا من استعمال سائر الألبان ، فأما اللبن الذي تكون هذه الرطوبة فيه قليلة